محمد أبو زهرة
1352
زهرة التفاسير
بعد أن بين سبحانه وتعالى ما كان من اليهود في ماضيهم ، وكيف أضلهم الهوى ، والعصبية العنصرية ، ومنعتهم من أن يصل نور الحق إلى قلوبهم ، حتى إنهم ليرون النور يمشى بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وشمائلهم ، ومع ذلك يصمون آذانهم عن سماعه ، ويحجبون أضواءه عن نفوسهم ؛ ذكر سبحانه أنه بين ذلك في آياته ليعتبر من يعتبر ، ولينتفع الحاضرون بنتائج ما وقع فيه الغابرون ، فيستبصروا ويستبينوا ويتعظوا ويعتبروا ، ولذا قال سبحانه : تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ . الإشارة في الآية الكريمة إلى ما كان من آيات سابقات بينت فيها أحوال النفوس التي ضلت وعميت عن الحق ، وكانت الإشارة بالبعيد لعلو منزلة هذه الآيات في بيانها للحق ، وإعلانها له ، وصدقها فيما حكت وأعلنت ، ومعنى نَتْلُوها : ننزلها عليك متلوة مقروءة واضحة مبينة سهلة الفهم لمن يريد الحق ويبتغيه ، وقوله تعالى : بِالْحَقِّ أي متلبسة بالحق مبينة له موضحة ، والحق هو الأمر الثابت الذي لا مجال للشك فيه ، ولا تختلف فيه العقول السليمة ، والمدارك القويمة ، ولا يوجد أمر ثابت كالحق ، وهو ميزان الأفكار ومقياس الأشياء ، وعليه قامت السماوات والأرض وما بين الناس . وإضافة التلاوة إلى اللّه تعالى والإظهار في موضع الإضمار ، فقد قال سبحانه : تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها لكي يكون التصريح باسم اللّه سبحانه وتعالى مربيا في النفس المهابة والإجلال له ، وهو المستحق وحده لوصف الألوهية ، فلا إله سواه ، ولا معبود بحق غيره ، وهو ذو الجلال والإكرام ، وهو المنشئ الموجد لهذا الكون وما فيه ومن فيه ، وهو العلى القدير ، فالتصريح باسمه الكريم يزيد البيان جلالا ، ويتضمن معنى الحساب لمن يعرض عن آيات ربه ، ويجعل النفس لا تسير وراء الهوى ، ويتضمن معنى القدرة على إنزال العقاب والثواب بعد الحساب ، وإنه إذا كان كل شئ في هذا الوجود أوجده ربه بالحق ، وأخبر عنه ، فالظلم منفى عنه سبحانه وتعالى ، ولذا قال سبحانه :